شقيقان في فيلم هندي!

اسبانيا والبرتغال

كان الأمر كالعاصفة ، ومنتخب بلاده خجول أمام هجمات أصحاب القمصان الزرقاء من المنتخب الإسباني ، تماماً كأجواء توريس نوفاس في تلك الليلة الباردة من يناير ، كان الأمر مرعباً بالنسبة له ، خاصة في تلك الكرة التي سددها أمور وحاول أن يتابعها فيرناندو هيررو في المرمى ، حصار كامل قبل نهاية المباراة بدقائق ، صافرة حكم اللقاء تنقذ الشاب ابن ال23 عاماً في أول مشاركة له بقميص المنتخب البرتغالي ، باسم باولو بينتو متذوقاً طعم المباريات الدولية ، وتحديداً بتعادل سلبي مع الجار العنيد ، في لعبة البندول الخاصة بهما ، بين الصعود والهبوط ، كشقيقين في فيلم هندي يلتقيان مرة كل بضعة سنوات بعد أن تفرقا منذ أن كانا صغيرين، ففي تلك الأمسية الشتوية كان الصدام بين فريق برتغالي يتم تشييده من جديد بجيل بطولتي العالم للشباب 89 و 91 ، في مواجهة منتخب إسباني خرج للتو من تصفيات يورو 92 ، يحمل بداخله بذور جيل ذهبية برشلونة 92.

بعد عشرين عاماً تظهر بعض خصلات الشعر الرمادية في رأس بينتو ، ظهرت بشكل طبيعي منذ أن تولي قيادة الفريق مديراً فنياً قبل عام ونصف ، محاصراً من الكل تماماً كتلك الهجمة الأخيرة في توريس نوفاس ، بين التشكيك في قدراته ، انفجار مدافعه كارفاليو في وجهه ، مزاجيات كريستيانو رونالدو ، معايشة جحيم الإقصاء في سراييفو بالملحق أمام البوسنة ، الآن يطالع الصحف الإسبانية وهي تلخص أهم مباراة له في مسيرته التدريبية في كونها مباراة بين "الفريق" الإسباني ، وبين "برتغال كريستيانو" ، صحيفة ماركا تضع صورة بالحجم الطبيعي لنجمة المونديال المستقرة على قميص المنتخب الإسباني ، في مواجهة صورة لكريستيانو رونالدو مع عنوان "ها هو نجم البرتغال ، وها هو نجم الإسبان".

صحيفة آس بدت أكثر استفزازاً مع صورة كاملة لكاسياس مع عنوان "ستوب كريستيانو" ، صحيفة سبورت تستخدم غلافها لأغراض خاصة جداً مع صورة ل"إنييستا برشلونة " في مواجهة رونالدو المدريدي ، تلك الشعارات التسويقية الني تختزل كل ما حاول بينتو صنعه على مدار 16 شهراً ، المفارقة الحقيقية أن مطلع ذلك الفيلم الهندي كان مقلوباً في جزء كبير منه ، عندما كانت عصابة المدرب فيرناندو كابريتا قبل 28 عاماً هي الفريق ، في مواجهة قارب نجاة إسباني متمثل في مهاجم الريال كارلوس سانتيانا.

كابريتا قام بصنع برتغال تجمع بين صرامة لاعبيها البدنية ، وبين لاتينتها الخاصة ، من خلال واحد من أفضل أجيال خط الوسط البرتغالية منذ منتخب أوزيبيو في مونديال 66 ، مكتسحاً منطقة العمليات أمام إسبانيا في مواجهتهما بيورو 84 ، 4 مدافعين حديديين بقيادة ليما بيريرا ، خماسي في خط الوسط بقيادة داهية بنفيكا ولاحقاً بوردو فيرناندو شالانا ، أحد أفضل لاعبي الوسط في ثمانينات أوروبا ، ومهاجم وحيد هو روي جواردو نجم سبورتنج لشبونة. فيما يقبع ثنائي من نوع خاص على الدكة هو ديمانتينو ووقناص بورتو فيرناندو جوميش.

تلك السيطرة البرتغالية على حساب 4 — 4 — 2 تقليدية إسبانية كادت أن تطيح بالإسبان وسط اعتمادهم الكامل على سانتيانا ، شالانا في دور يقارب دور إنييستا ، متسللاً خلف رباعي الجزارين كاماتاتشو وماسيدا وجويكوتشيا وسانتياجو أوركياجا ، حتى أسهم شالانا نفسه في صنع الهدف الأول عن طريق تسديدة ثعلبية من أنطونيو سوسا ، تبعها شالانا بتسديدة كانت من أفضل لقطات البطولة في عارضة أركونادا ، في مقابل منتخب إسباني وجد ضالته في لعبة وحيدة قبل النهاية بربع ساعة عن طريق سانتيانا.
كابريادا نجح خلال عام واحد فقط (في تجربة طواريء مشابهة لتجربة بينتو الحالية) في أن يؤسس لأول نسق حقيقي لمنتخب برتغالي حديث ، دون أن يتخلى عن هويته القادمة من ثقافة الثلاثي بنفيكا وسبورتنج وبورتو منذ الستينات ، لينسج كابريادا ثقافة جديدة في مجابهة الجار الإسباني ، وهو كلاعب كان أحد أفراد أول منتخب برتغالي يفوز على الإسبان عام 1956 ، بعد 35 عاماً من سلاسل الفشل المتوالي ، أحد حلقاتها الخسارة 0 — 9 عام 1934.

20 عاماً أخرى مضت وكان الشقيقان قد دخلا في حقبة أخرى أثناء مواجهتهما بالدور الأول من يورو 2004 ، إسبانيا في حاجة للتعادل ، في مقابل خيار وحيد للفوز من جانب البرتغال ، إلا أن هذه المواجهة كانت الصفعة الحقيقية لكرة القدم الإسبانية ونقطة تحولها الرئيسية ، إدراك أن إصلاحات إينياكي سايث لا تصلح لتكوين "فريق" ، في ظل 4 — 4 — 3 تقليدية ، تاه فيها راؤول برافو في مواجهة تحركات فيجو وفتى في التاسعة عشرة من عمره اسمه كريستيانو رونالدو ، إيليجيرا أصبح جزءاً من التاريخ ، وجود بويول كظهير أيسر لا معنى له ، الرهان الدائم الذي لا يتحقق أبداً على أرض الواقع من بيثينتي وخواكين ، التركيبة المثالية لراؤول ومراهق نابغة يدعى فيرناندو توريس غير ناجحة ، ربما مباراة البرتغال في ذلك اليوم من صيف 2004 كانت أول شرخ حقيقي في علاقة راؤول بمنتخب بلاده ، بداية طرح سؤال ما إذا كان "معشوق الجماهير" مفيداً بالفعل.

في المقابل كانت ثقافة مملكة الوسط البرتغالي مستمرة (تحت قيادة سكولاري هذه المرة) بفضل ثلاثي كوشتينيا ومانيش وديكو (الذي حل مكان روي كوشتا) ، كقلب مهم لنسق 4 — 2 - 3 — 1 ، في مواجهة المعزولين الإسبانيين شابي ألونسو ودافيد ألبيلدا ، الأمر لم يستغرق 12 دقيقة منذ نزول البديل نونو جوميش بديلاً لباوليتا ، هدف يحوي الكثير ، بداية من ديكو إلى كوشتينيا في لمسة واحدة ، لمسة أخرى إلى فيجو ، مثلها لجوميش ، والذي ينجح في إرباك أربعة مدافعين إسبان بتمركزهم المتواضع ، الحصاد كان خروج مجموعة راؤول من الدور الأول ، ورحيل سايث ممهداً الطريق للحكيم لويس أراجونيس.

ست سنوات أخرى كان الشقيقان أحدهما أصبح ضابطا ، والآخر مجرماً ، جوقة البارسا والتيكي تاكا ، في مواجهة واحد من أكثر منتخبات البرتغال فردية على الإطلاق ، تم اختزاله في شخص رونالدو ، بمشاكل إدارة كارلوس كيروش الفنية ، والتي تدخل في باب الكارثية ، وخلافات بالجملة بينه وبين اللاعبين ، بيبي يجد مكانه كلاعب ارتكاز أمام رباعي الظهر ، أمامه ميريليش وتياجو مينديس ، على الطرفين سيماو يميناً ورونالدو يساراً ، ذلك الأخير الذي عانى الأمرين أمام انضباط راموس ، في وقت كان أخطر لاعب برتغالي هو هوجو ألميدا.

لم يتغير الوضع بالفعل سوى بنزول ييورنتي محل توريس ، وضع شبيه بنزول نون وجوميش قبل أربع سنوات ، وهو وضع أعطى تماما مزيدا من الحرية لدافيد بيا ، وأفضلية للكرات العرضية في منطقة الجزاء البرتغالية ، ربما كانت آخر نصف ساعة من تلك المواجهة هي الأفضل لإسبانيا على مدار البطولة ، وهي الفترة أيضاً التي عرفت كابوساً متواصلاً للحارس البرتغالي إيدواردو ، في الحالة الجماعية الأولى التي واجهت بها إسبانيا الجار ضحية الذوات المتصارعة بداخله.

شهران بعد تولي باولو بينتو (أحد أعضاء عصابة فيجو الذهبية في يورو 2000) تدريب منتخب بلاده كان على موعد أول ترميم حقيقي للبرتغال ، مشكلاً في نوفمبر 2010 صورة أقرب للمنتخب البرتغالي الحالي ، مستعيداً مميزات 4 — 3 — 3 ، في أقسى درس تعرض له الإسبان من ضمن سلسلة إخفاقتهم الودية ، وضع بينتو جواوو بيريرا كظهير أيمن ، بواسينجا بديلاً لكونتيراو في تلك الفترة ، مقحماً الداهية موتينيو كمهندس في وسط الملعب برفقة ميرليش وكارلوس مارتينيز ، وموثقاً لثلاثي رونالدو وناني وبروشتيجا في الأمام.

منازلة ربحها منتخب برتغالي كان أكثر سرعة ونجاعةً في مرحلة تطوير هجماته ، في مواجهة بطء غير معتاد من بوسكيتس ، خاصة في الهجمة التي قادها رونالدو على حساب راموس وبيكيه ، قبل أن يلقي بها ناني المتسلل في القمامة ، إلا إنها كانت البداية لما هو مزيد من نفس اللدغات ، هجمة مرتدة بسرعة البرق من ميرليش إلى ناني ، والذي أرسلها لمارتينيز أمام المرمى الخالي ، فيما عدا بيكيه الذي يخرجها بمعجزة ، بعدها بدقائق كان رونالدو يقهر بوسكتيس ، مرسلاً صاروخية تصدى لها كاسياس في البداية قبل أن يجدها المتابع مارتينيز بنجاح محرزاً الهدف الأول.

الهدف الثاني كان تأكيداً لذلك الجانب الهش لدي الإسبان في مواجهة منتخب قادر على السيطرة على منطقة العمليات بسرعته ، كرة من مارتينيز لموتينيو المندفع من الخلف ، ومنها لبوشتيجا ، الهدف الثالث هجمة منطلقة من الخلف للبديل داني ، تجد موتينيو ، بفضل تمريرة من خلف الدفاع "النائم" تصل إلى بوشتيجا أيضاً ، الذي لا يجد صعوبة في إيداعها مرمى كاسياس ، الهدف الرابع يمكنه أن يصبح نموذجاً لقهر لا روخا في أمسية الأربعاء ، اللمسات الأربع من جواو بيريرا وصولاً إلى المنفرد وحيداً البديل هوجو ألميدا ، ، ربما المرة الوحيدة (إلى جانب الخسارة بالأربعة من الأرجنتين) التي كان فيها الإسبان يعانون حق المعاناة من تبعات أسلوبهم الخاص ، تمهلهم ، إيقاعهم البطيء نسبياً ، وتأخر ديل بوسكي في إيجاد الحلول ، رغم إقحامه في الشوط الثاني لسيسك وتوريس وكاثورلا ، وييورنتي وأربيلوا ، لكن دون علاج لقطع بينتو التي أشركها نفس التوقيت بفضل بيبي وفيلوسو وألميدا.

تلك الليلة في نوفمبر كانت أصعب للحظة لبطل العالم منذ فوزه باللقب صيف 2010 ، ربما كانت اللحظة التي أظهر فيها الشقيق المجرم صورته للضابط ، وهي الصورة التي يصر الإعلام على رسمها في مواجهة الأربعاء في دونباس آرينا ، منتخب إسباني يمتلك كل الفرص ، رغم كل الألغاز التي تحاصر إمكانية صمود أربيلوا أمام رونالدو ، دون مساعدة من جانب بيدرو (القابع على الدكة معظم الوقت) ، مدى استعداد سيلفا لمواجهة جواو بيريرا ، هل يبقى موتينيو وفيلوسو مشاهدين صاغرين لإنييستا في وسط الملعب ؟ هل عناد ديل بوسكي مستمر في عدم اللعب بورقة ييورنتي أمام مدافعين مثل بيبي وبرونو ألفيش؟ ..مدافعان عرفا معاناة
أمام مهاجم بنفس الفصيلة مثل الألماني ماريو جوميز؟

كل مواجهة بين الضابط والمجرم على مدار ال30 عاماً الماضية ، كانت بمثابة نقطة تحول حقيقية ، بين نصر مهم محوري ، وبين الصفعة التي تفيق النفس ، لتصبح بوصلة تغيير في المستقبل ، لعبة تبادل أدوار أخرى بين شقيقي ذلك الفيلم الهندي بكل توابله ، فيلم استمر بينتو 20 عاماً في مشاهدته منذ أول تجربة له ، وقد يرسم خروجه النهائي من القاعة أيضاً.